عبد القادر الجيلاني

125

فتوح الغيب

--> - إرادة ] أن يفعل لنفسه ، ولا لغير اللّه ، ولا يفعل بنفسه ولا بغير اللّه تعالى . والثلاثة : مشتركون في الطريق ، في أن كلّا منهم لا يفعل إلا الطاعة ، لكن يتفاوتون بكمال المعرفة والشهادة ، وبصفاء النية والإرادة . واللّه أعلم . فإن قيل : كلام الشيخ كلّه يدور على أنه يتّبع الأمر مهما أمكن معرفته باطنا وظاهرا ، وما ليس فيه أمر باطن ولا ظاهر [ في نسخة : باطنا ولا ظاهرا ] يكون فيه مسلما لفعل الرب ، بحيث لا يكون له اختيار لا في هذا ولا في هذا ، بل إن عرف الأمر كان معه ، وإن لم يعرفه كان مع القدر ، فهو مع أمر الرب إن عرف ، وإلّا فمع خلقه ، فإنه سبحانه له الخلق والأمر ، وهذا يقتضي [ في نسخة : يقضي ] أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ولا نهي ، فلا يكون للّه فيه حكم لا باستحباب ولا كراهة [ في نسخة : كراهية ] . وقد صرّح بذلك : هو ، والشيخ حمّاد الدّبّاس ، وأن السالك يصل إلى أمور لا يكون فيها حكم شرعي بأمر ولا نهي ، بل يقف العبد مع القدر ، وهذا الموضع هو الذي يكون السالك فيه عندهم مع الحقيقة القدرية المحضة ، إذ ليس هنا حقيقة شرعية . وهذا ممّا ينازعهم فيه أهل العلم بالشريعة ، ويقولون : ( إن ) الفعل : إمّا أن يكون بالنسبة إلى الشرع : وجوده راجحا على عدمه ، وهو الواجب والمستحب . وإمّا أن يكون عدمه راجحا على وجوده ، وهو المحرم والمكروه . وإمّا أن يستوي الأمران ، وهو المباح . وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق . ثم الفعل المعين - الذي يقال : هو مباح - : إمّا أن تكون مصلحته راجحة للعبد لاستعانته به على طاعته [ في نسخة : طاعة ] ولحسن نيته . فهذا يصير أيضا محبوبا راجح الوجود بهذا الاعتبار . وإمّا أن يكون مفوّتا للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذي يشغله عن مستحب . فهذا عدمه خير له . والسالك المتقرب إلى اللّه بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين في حقّه مستوي الطرفين ، فإنه إذا لم يستعن به على طاعته [ في نسخة : طاعة ] ، كان تركه وفعل الطاعة [ في نسخة : طاعة ] مكانه خيرا له ، وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح مثله . فيقال : لا فرق بين هذا وهذا ، فهذا يصلح للأبرار أهل اليمين الذين يتقربون إلى اللّه بالفرائض ، كأداء الواجبات وترك المحرمات ، ويشتغلون مع ذلك بمباحات . فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوي وجوده وعدمه في حقهم ، إذا كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر ، ولا سبيل ( إلى ) أن تترك النفس فعلا إن لم تشتغل بفعل آخر يضادّ الأول ، إذ لا تكون معطّلة عن جميع الحركات والسكنات . ومن هذا أنكر الكعبي المباح في الشريعة ؛ لأنّ كل مباح فهو يشتغل به عن محرم ، وترك المحرم واجب ، ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده ، وهذا المباح ضده ، والأمر بالشيء [ في نسخة : بشيء ] نهي عن ضدّه ، والنهي عنه أمر بضده ( المعين ) إن لم يكن له إلا ضدّ واحد ، وإلّا فهو أمر بأحد أضداده ، فأيّ ضدّ تلبّس به كان واجبا من باب الواجب المخير . وسؤال الكعبي هذا أشكل على كثير من النّظّار ، فمنهم من اعترف بالعجز عن جوابه ، كأبي الحسن الآمدي ، وقوّاه طائفة ، بناء على أنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه كأبي المعالي .